النزعة الرادیكالیة والانبعاث الثقافي
لقد ظهرت في السنوات الأخیرة عدة جماعات طوارقیة رادیكالیة، وتُعد جماعة أنصار الدین شمال مالي النموذج الأبرز
عنها، هي التي تجمع في توجهها بین الحس النضالي الطوارقي والنزعة الجهادیة. وقد قاتل زعیمها إیاد أغ غالي خلال
معارك الطوارق التمردیة قبل أن ینشق عن المتمردین وعن توجههم العلماني العرقي المحض لیثیر تمرداً آخر دینیاً هذه
المرة. ویُعد إیاد أغ غالي الیوم سلفیاً رادیكالیاً، إذ یرفض عدة جوانب من تقالید أهله بما فیها التكلُّم بلغة تماشق التي یصفها
بأنها من بقایا الماضي الوثني الجاهلي لدى المنطقة.
هذا وتمثل سیاسة جماعة أنصار الدین مفارقة حقیقیة؛ ففي حین تتمسك الجماعة بالإحیاء الثقافي للطوارق وبالنزعة
الانفصالیة على أسس عرقیة من أجل كسب الدعم، إلا أنها تسعى في نفس الوقت إلى طمر الهویة الطوارقیة لصالح الفكر
السلفي الرادیكالي.
إن هذه الأیدیولوجیات المتشعبة والمتنافرة أحیاناً، مرفوقة بالمشاكل التي تعاني منها المنطقة منذ زمن، تعكس الدینامیات
التي تجعل من مهمة الوصول إلى فهم شامل للتجربة الطوارقیة مهمة غیر هیِّنة بتاتاً.
وفي سنة 2014 ، أي بعد مدة بسیطة من مغادرتهم للأراضي اللیبیة إثر سقوط القذافي، عاد أفواج من الإیشومار لمعاضضة
أهالیهم في الصراع من أجل السیطرة على الجنوب. وتُعد مجموعة التبو العرقیة التي تنحدر من جنوب لیبیا وتشاد الخصم
اللدود بالنسبة للطوارق، مع العلم أن التبو كانوا محرومین من الجنسیة والتعلیم والرعایة الصحیة في عهد القذافي بینما كان
الطوارق یحظون بالتقدیر ویلقبون ب"أسود ونسور الصحراء".
ومع سقوط نظام القذافي، انهارت التسویات القدیمة بین الفریقین حول الأراضي وطرق التهریب، ولم تتوقف المواجهات
بینهما إبَّان الثورة، بل زادت حدتها مع انتهائها، آذنة بانطلاق حرب عرقیة بین الطوارق والتبو. وأصبحت مدینة أوباري،
التي یقطنها كل من الطوارق والتبو، ساحة قتال رئیسیة بحكم موقعها المؤدي إلى طرق تهریب مهمة نحو الجزائر وجنوباً
نحو تشاد.
تنتمي العدید من قوات الطوارق المتواجدة في أوباري إلى الكتیبة 315 التي تُعد واحدة من میلیشیات الطوارق الأساسیة في
الجنوب وهي وفیة للحكومة في طرابلس. وقد تأسست هذه الفرقة على ید أحمد الأنصاري، وهو سلفي طوارقي وضابط
سابق في الجیش اللیبي. وقد مثل انتساب الكتیبة 315 للفكر الإسلامي فرصة بالنسبة لمنافسیها لوضع الطوارق في خانة
الجهادیین دفعة واحدة، مشككین بذلك في مشروعیة قضیتهم ومُسیِّسین هویتهم في نفس الآن. وقد أصبح یُنظر الیوم إلى
الجهادیة الطوارقیة – وهي تجمع بین التشدد المسلح وتجارة التهریب – على أنها إشكالیة إقلیمیة بعدما كان یُعتقد أنها
محصورة في دولة مالي.
لدى الجنوب اللیبي ثروات هامة من النفط والمیاه، كما أنه المسلك الذي یؤدي إلى طرق تهریب رئیسیة في الصحراء الكبرى.
ولهذا فإن الصراع في الجنوب لیس مشحوناً بالعداء العرقي فحسب، بل تمتد أسبابه إلى ما هو أبعد من ذلك. وقد وضعت
نتائج الثورات صراع الطوارق والتبو في السیاق الأوسع للحرب الأهلیة اللیبیة القائمة بین حكومة البیضاء التي دعمت التبو
وحكومة طرابلس التي ساندت الطوارق. وهكذا یمكن القول إن الاقتتال الذي نشهده الیوم هو اقتتال مصیري لأن من شأنه
إعادة تحدید مكانة الطوارق في لیبیا، وحتى مكانة مجموعات عرقیة أخرى.
تمثل حالة الطوارق نموذجاً عن كمِّ التعقیدات التي نجمت عن إقامة الحدود الحدیثة، حیث قامت هذه الأخیرة بتقسیم صحراء
لطالما اعتبرها أهلها فضاءً واحداً متكاملاً إلى دول تعصف بها النزاعات والعداوات. لقد واجه الطوارق موجات من
الاضطرابات الجیو-سیاسیة على مدى عقود، وهم الآن مُعلَّقون بین ضرورة التأقلم مع حقائق دائمة التقلُّب وبین الأمل في
تحقیق نوع من التماسك والتجانس. وقد أثار تصاعد موجة الحراك المسلح فوق أراضي الطوارق، إضافة إلى العزلة
الاقتصادیة التي تعاني منها المنطقة، تساؤلات عدة عمَّا إذا كانت المناطق الحدودیة الشاسعة الواقعة بین الصحراء الكبرى
وبلاد المغرب خاضعة فعلاً لحكم الدول، أم أنها مساحات خارجة عن سیطرتها.